محمد بن جرير الطبري
297
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عقروا الناقة ، وفيهم مصدع بن مهرج ، فرماه مصدع بسهم ، فانتظم قلبه ، ثم جر برجله فأنزله ، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه . فلما قال لهم صالح : أبشروا بعذاب الله ونقمته قالوا له وهم يهزءون به : ومتى ذلك يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم : الأحد : أول ، والاثنين : أهون ، والثلاثاء : دبار ، والأربعاء : جبار ، والخميس : مؤنس ، والجمعة : العروبة ، والسبت : شيار ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح حين قالوا ذلك : تصبحون غداة يوم مؤنس يعني يوم الخميس ووجوهكم مصفرة . ثم تصبحون يوم العروبة يعني يوم الجمعة ووجوهكم محمرة . ثم تصبحون يوم شيار يعني يوم السبت ووجوهكم مسودة . ثم يصبحكم العذاب يوم الأول يعني يوم الأحد . فلما قال لهم صالح ذلك ، قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلموا فلنقتل صالحا إن كان صادقا عجلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله ، فدمغتهم الملائكة بالحجارة . فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح ، فوجدوهم مشدخين قد رضخوا بالحجارة ، فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ثم هموا به ، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح ، وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبدا ، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث ، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا ، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون . فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك ، والنفر الذين رضختم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون . . . إلى قوله : لآية لقوم يعلمون فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة ، فأيقنوا بالعذاب ، وعرفوا أن صالحا قد صدقهم ، فطلبوه ليقتلوه ، وخرج صالح هاربا منها حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم ، فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له نفيل يكنى بأبي هدب ، وهو مشرك ، فغيبه فلم يقدروا عليه . فغدوا على أصحاب صالح ، فعذبوهم ليدلوهم عليه ، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ميدع بن هرم : يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلهم عليك ، أفندلهم عليك ؟ قال : نعم فدلهم عليه ميدع بن هرم ، فلما علموا بمكان صالح أتوا أبا هدب فكلموه ، فقال لهم : عندي صالح ، وليس لكم إليه سبيل . فأعرضوا عنه وتركوه ، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه ، فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس ، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرة ، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة ، ثم